موسم التوتر في تونس

المصدر: 
دار الخليج الإماراتية
تاريخ المقال: 
11/22/2017 - 05:00
مفتاح شعيب
عادت مظاهر التوتر السياسي تخيّم على تونس مع تزايد الحديث عن أزمة حكومية وانتشار شائعات للإرباك والبلبلة منها النيل من رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي بزعم «وفاته»، بينما تؤكد المؤشرات الاقتصادية والأمنية أن البلاد تعرف تحسناً نسبياً مقارنة بما عرفته في المرحلة الماضية، مع الاعتراف الرسمي بأن الوضع العام مازال صعباً ويتطلب مزيداً من الجهد والصبر والعمل حتى بلوغ المراد.
الأقرب إلى الواقع أن هذه الحالة التي توحي بالتقلب والاضطراب، سببها عدم استقرار المشهد السياسي لما يعرفه من تناقضات حزبية وأجندات متضاربة مع تسارع الحديث عن اقتراب الانتخابات البلدية العام المقبل والانتخابات التشريعية والرئاسية في 2019. والظاهر أن الفاعلين السياسيين قد بدأوا مبكراً هذا العام موسم التوتر الذي لا داعي له بهذه الحدة في الوقت الحاضر، وهي معارك لن تحقق نتائج إيجابية للمشهد السياسي، لكنها قد تؤثر بالسلب على الوضع العام في البلاد. ولمواجهة خصومها لا تمتلك الأحزاب ذخيرة إلا أبناء الشعب حين تلجأ إليهم باتباع أساليب مختلفة منها الإغراء والاستقطاب والترويع، وقد جربت هذه المقاربات في السابق خلال انتخابات 2014، ولكنها لم تسفر عن شيء، فقد منح الناخبون ثقتهم لمن اعتبروا أنهم كفلاء بتحقيق المنشود في المجالات كافة. ومع التسليم بأن الوعود الانتخابية أغلبها أجوف ولا تقدر على الإتيان بالمعجزات، إلا أن الحصيلة العملية لنظام ما بعد الانتخابات لم تكن خاوية كما يصورها بعض المعارضين. وبالنظر إلى الصعوبات الجمّة، فقد تم إنجاز بعض الاستحقاقات في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب وإنعاش الاقتصاد نسبياً وإعادة التوازن للسياسة الخارجية. أما تصفية كل الأزمات وتلبية كل المطالب، فهو أمر لن تقدر عليه أي حكومة مهما برعت في التخطيط ووضع الاستراتيجيات.
السجال الصاعد هذه الأيام يتعلق بالصراع المستمر بين الأحزاب الداعمة لحكومة يوسف الشاهد والأطراف السياسة التي تعارضها، فيما توجد فئة ثالثة تقف في الوسط قناعة أو ضرباً من المناورة في انتظار تبين المسارات إلى المحطات الانتخابية الكبرى. ولهذا السبب بدأت علامات التقلب السياسي تظهر بتشكل تحالفات وولادة حركات وأحزاب. ومن الواضح أن التسابق سيشتد مستفيداً من التراكمات الاجتماعية، وبعد التوافق على رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات هو محمد التليلي المنصري، المرشح من الحزب الحاكم «نداء تونس»، وأعطى التوافق على سد الشغور في مستوى رئاسة الهيئة إشارة، وكأن الانتخابات واقعة غداً.
الصراع السياسي بين الأحزاب أحد شروط الديمقراطية، ولكنه مشروط بالحفاظ على سلامة الوطن والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. وفي تونس يبدو أن بعض الأحزاب لم تحقق النضج المطلوب للعب بمسؤولية ضمن نظام جديد، وهذا الوضع تعترف به الأحزاب وتعتبره من مظاهر الديمقراطية الناشئة. أما الأطراف التي تعمل على إحداث انقلاب في تركيبة المشهد السياسي، فلن تقدر على ذلك بحكم طبيعة الوضع والاصطفافات التي قسمت الشارع التونسي على أساس الولاء لهذا الطرف والنفور من الآخر، وهذه الحال مستمرة منذ 2014، وحين تجرى انتخابات 2019 لن يتغير الوضع كثيراً، وربما تتحقق نفس النتائج السابقة؛ لأن الوضع العام لن يتحمّل مغامرات غير محسوبة ولا يرغب في إضافة مزيد من التراكمات على الواقع المأزوم أصلاً.

chouaibmeftah@gmail.com