رحيل «الزعيم»

المصدر: 
دار الخليج الإماراتية
تاريخ المقال: 
11/22/2017 - 05:00
فيصل عابدون
ما يجذب الانتباه في الأزمة الراهنة في دولة زيمبابوي هو موقف الجيش الذي يقود عملية التغيير باحترافية عالية تهدف لحماية كل الأطراف والحفاظ على التماسك الوطني والاجتماعي لهذه الدولة الفريدة من نوعها. وفي هذا الإطار فإن تشبث الرئيس روبرت موجابي بالسلطة حتى بعد تجاوزه سن التسعين يعتبر حالة تقليدية في إفريقيا وبقاع أخرى من العالم، وفي تلك الحالات تحديداً فإن الصراع الذي يتفجر لخلافة الرئيس يؤدي في العادة إلى حمام دم ويفتح أبواب الفوضى وعدم الاستقرار وهو الشيء الذي تجنبه جيش زيمبابوي ببراعة واحترافية ومن دون أن يطرح نفسه خليفة رسمياً للسلطة البائدة.
وقد أثمرت جهود ومثابرة العسكريين عن استجابة موجابي في نهاية الأمر وإعلانه التنحي عن رئاسة الدولة بمفعول فوري وذلك في رسالة تليت في البرلمان وحازت على إعجابهم وجنبت الرسالة البلاد مغبة الانقسام وويلاته وضمنت السلام الاجتماعي وحافظت على وحدة الدولة ومؤسساتها السيادية. 
إن الروح التي ميزت جيش زيمبابوي لم تأتِ من فراغ، فالقضية هنا لا تتعلق برئيس دولة عادي تسلم السلطة بانقلاب عسكري أو محمولاً على دبابات حركة متمردة سحقت خصومها وحكمت بالقوة القاهرة. لقد كانت القضية ترتبط بزعيم تاريخي له رمزية وإرث وسجل نضالي طويل. فموجابي هو قائد الكفاح ضد الاستعمار وبطل وطني لم تتلوث سيرته إلا في سنوات الشيخوخة الأخيرة. وهو رئيس الدولة منذ استقلالها وحتى تاريخ تدخل الجيش لإنهاء سلطته، وكان زعيماً مهاباً على صعيد القارة والعالم، وخاض مواجهات عنيفة ضد دول كبرى لانتزاع حقوق الزيمبابويين وحماية مصالحهم من دون أن ينكسر.
وإذا كان الرئيس بدأ في آخر أيامه ارتكاب الأخطاء ومحاباة العائلة على حساب مصالح الوطن، فإن الجيش تدخل لتصحيح أخطاء قائده من دون أن يهينه أو يجرح كرامته، وأيضاً من دون أن يعرّض أمن البلاد للفوضى وعدم الاستقرار.
قام الجيش بدوره بشكل جيد. نشر جنوده في الشوارع والمؤسسات المهمة وقيَّد حركة الرئيس موجابي واتصالاته من دون أن يعلن عزله عن السلطة أو اعتقاله ومن دون أن يعلن حتى أن الإجراءات التي يقوم بها هي انقلاب أبيض على سلطة الرئيس. وفي خطوة ثانية قام الجيش بتنسيق اتصالات زعماء الحزب الحاكم مع موجابي لإقناعه بالاستقالة وفسح المجال أمام بدء إجراءات التغيير الدستوري لشغل فراغ السلطة. وعندما أبدى الرئيس ممانعة وكان ذلك متوقعاً سمح الجيش بخروج مسيرات بضوابط مشددة لإسماع صوت الشعب للرئيس العجوز ومساعدته على حسم خياراته.
لقد تصرف جيش زيمبابوي بشكل جيد ومسؤول ومنضبط في مواجهة أزمة كبيرة. وجاء المشهد الختامي لمغادرة الزعيم مسرح السلطة وسط التصفيق والهتاف معززاً لاستراتيجية تكريس السلام ونبذ العنف.

shiraz982003@yahoo.com