تداولية جيوسياسية

المصدر: 
دار الخليج الإماراتية
تاريخ المقال: 
11/22/2017 - 05:00
عبد اللطيف الزبيدي

هل استيقظ ديجول في رأس ماكرون؟ بيولوجيّاً، الرئيس الحالي إيمانويل، قامته 173 سم، تنقصه عشرون سم ليرقى إلى هامة الجنرال، وهذه تخفيضات وتنزيلات، لأن رواية أخرى تقول إن قامة ديجول 196 سم. لعله فارق تقدم السن. لكن طول القدّ ليس ارتفاع الهامة فحسب.
نقارب المشهد من بعيد لكي نراه من كثب. منذ ديجول، كانت للفرنسيين نظرة شزراً إلى الأمريكان. لعلها في الأساس ترجع إلى موقفهم سلفاً من كل ذي صلة بالإنجليز. يتجلى ذلك حتى في اللغة: في الفرنسية، الأمم المتحدة، البيت الأبيض، وفي الإنجليزية، المتحدة الأمم، الأبيض البيت. معاكسة في دم اللغة. سنة 68 تَهدّد الجنرال واشنطن بإعادة كل دولارات فرنسا وأخْذ ذهب مقابلها، ما كان سيصيب «فورتنوكس» (خزائن المعدن الأصفر) بكارثة عالمية. في عهد ديجول كان «الإليزيه» يعجّ بمناوئي الولايات المتحدة وبريطانيا. منهم ميشيل جوبير (نثره شعر ساحر فريد)، الذي صار وزير خارجية الرئيس بومبيدو، كان غصة مسمارية في حلق كيسنجر. صحيفة «لو فيجارو» نشرت كاريكاتوراً عن مؤتمر لوزراء الخارجية، فيه الثعلب هنري يكفكف دموعه بمنديل سائلاً مسؤول البروتوكول: «هل سيحضر جوبير؟» في عهد شيراك دعت واشنطن باريس إلى دخول الحرب على العراق بقوة مقابل 20% من الغنائم، ولكن حسناء الأزياء خرجت من المولد بلا حمص، ولا حتى فردة حذاء سندريلا، بخفي حنين.
الظروف الآن مختلفة، والرئيس ابن التاسعة والثلاثين، يرى الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط يتجه فيها ضوء النجم الأمريكيّ إلى الأحمر، يبتعد وينأى. في المكان الجيوسياسيّ: الانتظار احتصار. أوروبا تهب عليها نسائم ديجولية غير متنافرة مع عزف الرياح الروسية الصينية. الفرانكوفونية جذورها استعمارية، لكن اللغة، كل لسان، أداة تواصل واتصال، لا تخلو بمرور الزمن من وصل ووصال، لأنها تحمل في ثناياها ثقافة تطبع الذوق والفكر والسلوك. كل «بونجور» يريد أن يكون له «بونسوار». هكذا تشق الدبلوماسية طريقها إلى الجغرافيا السياسية، لتحصل الجغرافيا الاستراتيجية على «مطرح» فتفرح. يبقى السؤال المؤرق الذي لا يريد العقل العربيّ إدراك هول عواقبه: لماذا يجب أن تتحقق هذه الغايات دائماً على حساب سيادة الأمن القوميّ العربيّ؟ المنطلق المعقول بمعنى العاقل، هو أن تتساءل الأطراف في النظام العربيّ عن مدى الجدوى العملية لما يُدّعى أنه صفقة القرن. من باب الرفق بما يتوهم الجبابرة أنه مجموع قطعان، عليهم أن يقحموا السؤال: ما رأي الشعوب العربية في ضرب الأمن القوميّ العربيّ في مقتل؟ بالمناسبة: ما هو الأمن القوميّ؟
لزوم ما يلزم: النتيجة التداولية: الجغرافيا السياسية العربية دُور ضيافة يدفع العرب فواتيرها.

abuzzabaed@gmail.com