تسارع غير مسبوق

المصدر: 
دار الخليج الإماراتية
تاريخ المقال: 
11/22/2017 - 05:00
خيري منصور

يحتاج المرء إلى المبالغة بالثقة بالنفس حتى الغرور، وإلى قدر من الاستخفاف بعقول الآخرين كي يزعم بأنه قادر على الإحاطة البانورامية بما يجري الآن بتسارع غير مسبوق. لأنه أشبه بمن يركب سيارة تسير بأقصى سرعة وتمر بمشاهد طبيعية وقطعان حيوانات وأسراب طيور إضافة إلى القرى والمدن والغابات، ثم يطلب منه أن يتحدث بالتفصيل عن كل ما مر به سريعاً!
ففي أقل من نصف ساعة قد يغير عشر قنوات فضائية، ويقرأ على أسفل الشاشات عشرات الأخبار العاجلة، لهذا غالباً ما تسقط سهواً ملاحظات وتداعيات ذات صلة بالأحداث المتعاقبة. وعلى المراقب أحياناً أن يختار الأهم على حساب المهم والعاجل على حساب الآجل!
ويبدو أن ما سمي الكتابة الاختزالية يقابله ما يمكن أن نسميه القراءة الاختزالية أو العمودية.
ولم يحدث من قبل أن كان إيقاع الأحداث ووسائل نقلها على الفور بهذا الشكل، بحيث تصبح أخباراً عاجلة ومثيرة عابرة وطي النسيان لأن ما يعقبها ينسخها.
ووصف مشهد واحد من المشاهد التي تمر بها سيارة مسرعة قد يحتاج إلى العديد من الصفحات، لكن ما يحدث هو اختزال الغابة كلها إلى شجرة!
وأخطر ما في هذه الظاهرة هو تخطي تفاصيل بالغة الدقة، لا تكمن فيها الشياطين فقط كما يقال بل الحقيقة كلها، وهناك عبارة شهيرة للكاتب الفرنسي رولان بارت عن برج «إيفل» بباريس يقول فيها: إن رؤية البرج تشترط أن تكون خارجه لأنك لن تراه من داخله، والمغزى البعيد لهذه العبارة يتجاوز «إيفل» إلى أحداث جسام، منها ما يتطلب أن تكون على مسافة منه كي تراه وتحيط به على نحو بانورامي!
وبعكس ذلك يحدث ما ورد في أسطورة هندية عن الفيل والعميان الذين سقطوا عليه ووصف كل واحد منهم العضو الذي ارتطم به من جسد الفيل.. أما الفيل ذاته، فهو في مكان آخر!